الشيخ محمد رشيد رضا

22

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أوربة واستحوذت عليها الافكار المادية فذهبت بالفضيلة . وهذه الافكار المادية ظهرت في اللاتين أولا فأفسدت الاخلاق وأضعفت الفضيلة ، ثم سرت عدواها منهم إلى الانكليز فهم الآن يرجعون القهقرى بذلك ، وسترى هذه الأمم يختبط بعضها ببعض وتنتهي إلى حرب طامة ليتبين أيها الأقوى فيكون سلطان العالم قال له الامام : اني آمل أن يحول دون ذلك همم الحكماء ( مثلكم ) واجتهادهم في تقرير مبادئ الحق والعدل ونصر الفضيلة قال الفيلسوف : وأما أنا فليس عندي مثل هذا الامل فان هذا التيار المادي لا بد أن يبلغ مده غاية حده وأقول انني ذكرت في هذا المعنى سياسيا اوربيا في جنيف من بلاد سويسرة فرأيته يعتقد اعتقاد سبنسر بل أخبرني ان كثيرا من عقلاء اوربة يعتقدون ان فساد الاخلاق بالترف الذي أهلك الأمم الكبرى كاليونان والرومان والفرس والعرب قد أوشك ان يقضى على اوربة وستهلك بالحرب التي تلى هذه الحرب الأخيرة ، وما هي ببعيدة . ونصح لنا بان لا نقلد اوربة في مدنيتها المادية ، وان نحافظ على آداب ديننا وفضائله ، وأن يجمع كلمتنا ، ونجعل الزعامة فينا لأهل الرأي والفضيلة منا ، ونتربص الدوائر بالاوربيين المعتدين علينا « 1 » وجملة القول أن الانسان حيوان انسي وحشي بجسده ، وملك روحاني بعقله وروحه ، وانه انما يكمل بكمال العقل والروح ويعتدل بالتوازن بينهما ، ولا يكون هذا الا بهداية الاسلام الجامع لكل ما يحتاج اليه البشر من ذلك ، ولهذا نصحنا لزعماء الترك المفتونين بمدنية الإفرنج المادية لجهلهم بما يفتك بها من دود الفساد بأن يقيموا حكم الاسلام واصلاحه الذي يكفل لهم القوة المادية والعمران ويقيهم غوائل هذا الفساد كالبلشفية التي ثلت عرش قيصرية الروسية فقلنا في فاتحة الكتاب الذي صنفناه في مسألة ( الخلافة - أو - الإمامة العظمى ) ما نصه : « أيها الشعب التركي الحي ! ان الاسلام أعظم قوة معنوية في الأرض ، وانه هو الذي يمكن أن يحيي مدنية الشرق وينقذ مدنية الغرب ، فان المدنية لا

--> ( 1 ) راجع النبذة 6 من رحلتنا الأوربية التي نشرت ج 8 من المجلد 23 من المنار